أحدث الاخبار
المطلع
معتمدة لدى نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1052
خاص بـ "المطلع" 2021-10-01 17:32 363 0

حشد العتبات والحشد الولائي.. صراع داخلي على القيادة تبعه انفصال كاسر من الداخل.

أعلن حشد العتبات الثلاثاء الماضي انفصاله الرسمي عن هيئة الحشد الشعبي وانضوائه تحت راية القائد العام للقوّات المسلّحة، حيث وبعد انتهاء مراسيم الأربعين ارتقى ميثم الزيدي قائد فرقة العباس القتالية المنبرَ فشكر الجميع على تعاونهم وأكّد أنّ حشد العتبات يتبع قانونياً لرئاسة الوزراء بينما عقائدياً فهو يتبع المرجع الديني على السيستاني. وكانت هذه رسالة واضحة يطلقها أبناء الحشد غير الموالين لإيران يعلنون فيها اختلافهم الجذري عن الجزء الموالي لها، حيث ذلك الجزء الآخر يتبع عقائدياً للخامنئي وقانونياً من النادر أن يلتزم بأوامر القائد القام للقوّات المسلّحة، وهو ما شهدته البلادُ من تمرّدات حدثت ضدّ القائد العام كادت أن تؤدّي لمصادمات ونتائج خطيرة، فيما يصف متابعون سياسة الكاظمي ب "الاحتواء" والتي لولاها لوصلت الأمور لعواقب غير محمودةٍ أبداً.

الحشد حشدان

لا يمكن للمتابع إغفال الانقسام بين ألوية الحشد الشعبي منذ بداية تشكيله عام 2014 على إثر سيطرة داعش على جزءٍ كبيرٍ من العراق، ويدور الحديث كثيراً حول سياسة الاستغلال الإيرانية لفتوى السيستاني بالجهاد الكفائي، حيث تم إنشاء الحشد على اساس الفتوى ومن ثم تطوّرت الأوضاع وأصبح هيئةً رسمية، لكن بالحالتين، قبل تشكيل الهيئة وبعدها، المسيطر على قيادة الحشد هو الجانب الموالي لإيران ممّا جعل بقية الأجنحة غير الشيعية والشيعية تتذمّر منه كثيراً، ووصلت الأمور لحد التصريحات الملتهبة، فمثلاً بعد مقتل أبي مهدي المهندس رفضت التشيكلات الشيعية غير الموالية لإيران تنصيب عبد العزيز المحمداوي الملقّب ب "أبو فدك" كنائب لرئيس هيئة الحشد وهو قيادي في كتائب حزب الله. وقال مصدر من داخل الحشد رفض الكشف عن اسمه "إنّ الاختلافات عميقة بين الجانبين، ولم تهدأ يوماً، لكن شخصية أبي مهدي المهندس كانت تغطي على هذا الاختلاف لما له من سلطة وكاريزما مؤثرة، لكن بعد مقتله تصارع الجانبان على القيادة صراعاً حاداً انكشف للجميع بوضوح".

هذا وأنّ ما يسمّى بحشد العتبات يتألف من أربعة تشكيلات: فرقة العباس القتالية، لواء علي الأكبر، كتائب الإمام علي ولواء أنصار المرجعية، ويؤلف عدد المنتسبين الشيعة لحشد العتبات مضافاً للألوية الثلاثة التابعة لمقتدى الصدر تحت عنوان "سرايا السلام" قرابة 40 ألف منتسب، بينما الأجنحة الموالية لإيران تبلغ 67 فصيلاً ومنتسبوها يقدرون ب70 الف عنصر، ذلك بحسب دراسة أجراها هشام الهاشمي الذي قتل مباشرةً بعد الإعلان عنها أوائل تموز من العام الماضي.
خصّنا الناشط المدني والمدوّن إبراهيم تركي بتصريح حول ذلك بالقول: "يمكن اعتبار الانشقاق داخل الحشد الشعبي صراعا شيعياً شيعياً، وهو صراع تاريخي من ناحية وصراع التخطيط للمستقبل من ناحية أخرى" وأضاف "أصبح واضحاً أنّ صراع ولاية الفقيه مع مدرسة النائيني ومن تبعها من الخوئي والسيستاني إنما هو بحث مباشر عن السلطة عند أبناء الولاية العامة وبين مدرسة تؤمن بالعلاقات المتوازنة مع الدولة وحفظ الحقوق وعدم التجاوز على تعريف الإمامية بانتظارهم للإمام المهدي" ويتابع بالقول "من ناحية أخرى هناك صراع مستمر على الأولوية والزعامة بين قم والنجف وبين متبنيات الأحزاب التي تعود لأصول إخوانية استنسخت فكانت ولايه الفقيه".

ويرى تركي أنّ المساعي الإيرانية للسيطرة على قيادة الشيعة بنحو عام ليست جديدةً، وأنّ الفتوى كانت تمثّل فرصةً مؤاتيةً للجانب الإيراني ضمن فرصٍ أخرى كانت تعمل عليها، حيث يقول"إنّ مستقبل الشيعة ما بعد السيستاني والسعي للسيطرة على زمام الشيعة زاد من حدة الصراع، وقد قامت إيران بإرسال عدد من مراجعها للاستقرار بالنجف قبل سقوط الموصل لمنافسة سطوة السيستاني ومن ثم استغلت إيران سقوط الموصل وتحرير العراق من داعش لتعزيز سطوتها فيما رأته مرجعية النجف سحباً للبساط وسرقة لجهودها، وهذا ما سمعته مراراً وتكراراً من عاملين معها حتى أبلغني أحدهم أنّ بيان خطبة الجهاد الكفائي لم يدعو لإنشاء فصائل أو حشد بقدر الدعوة إلى الانضمام للجيش والشرطة وتعزيز رصيدهم كألوية ساندة فحسب".

خلافاتٌ عقائديةٌ وسياساتٌ متضاربةٌ

يؤكد كثيرٌ من المحللين والمراقبين وجود صراعات حادة بين الجناحين، الولائي وغير الولائي داخل الألوية الشيعية، نتيجة الاختلاف في التبعية العقائدية، جناح يقلد على خامنئي وآخر علي السيستاني، ونتج عن ذلك اختلاف في السياسات المتبعة، سواء على المستوى التنظيمي أو الفعاليات العسكرية، وهي أمور جذرية من الصعب احتواؤها بعد سيطرة الجانب الولائي على القرار الشيعي للحشد مما حدا بالجانب غير الولائي إعلان عدم تبعيته أكثر من مرةٍ، سواء بشكل رسمي أو غير رسمي، ففي مارس وإبريل من العام الماضي قرّرت تلك الألوية انضمامها لوزارة الدفاع أو تبعيتها الكاملة لرئاسة الوزراء، لكن المصدر الذي رفض الكشف عن اسمه اعتبر تلك كلها إعلانات غير رسمية، رغم أنها كانت تطرح للعلن برعاية من القيادات، وصولاً للأول من كانون الأول/ديسمبر لعام 2020 حيث كان الانضمام رسمياً والانفصال مؤكّداً.

ويعتبر الصحفي أحمد السهيل أنّ الإعلان الأخير لحشد العتبات المصادف يوم الأربعينية لم يكن ذا أثرٍ لولا أنه جاء قريبا من يوم الانتخابات، مما يعني أنّ للإعلان حساباتٍ سياسيةً أكثر منها شيئاً آخر، وذلك لكون الأجنحة غير الموالية تريد سحب البساط من الأجنحة الموالية وإيصال رسالة للمجتمع الدولي بعدم شرعية هؤلاء وأنّهم ليسوا أبناء الفتوى كما أنهم ربما يريدون إعطاء الضوء الأخضر للحكومة بالتصرّف معهم كيفما شاءت.
ويعتقد السهيل أنّ ما يؤكّد هذا الكلام تسمية "حشد الفتوى" التي أطلقت على المؤتمر الخاص بحشد العتبات، وهي تسمية تضمر عدم انصياع الآخرين لفتوى السيستاني، وكانت ترافق كل تلك فعاليات عسكرية محرِجة للطرف الآخر، حيث حادثة البوعيثة مثلاً وقصف السفارة المتكرّر وبعض الاستعراضات العسكرية داخل بغداد، وتهديد رئيس الوزراء بشكل شخصي وإهانته عبر سحق صورته، كل ذلك وضع الجانب الموالي لإيران بوضوح ضد الجانب الآخر غير الموالي سواء الشيعي منه على وجه الخصوص أو غير الشيعي بشكل عام داخل الحشد.
وجدير بالذكر ما أثاره هذا الإعلان من ردود فعل قاسية من قبل إعلام الطرف الولائي، فوصم الإعلان بأنّه يهدف للفتنة داخل البيت الشيعي كما واتهم الزيدي بالعمالة لأمريكا وإسرائيل، وهي تهمة ليست جديدة في قاموس هذا الطرف المعروف عنه صفة "المقاومة" وضديته السياسية والعسكرية والإعلامية لكل ما يمت لأمريكا بصلة. حيث اعتبروا مساعي حشد العتبات هذه تفتيتاً من الداخل وإضعافاً لمحور المقاومة، سيما وأنهم لم يشاركوا الألوية والفصائل التابعة لأيران استعراضهم العسكري بذكرى تأسيس الحشد، والذي أقيم يوم 26/6 من هذا العام، واستعرضت فيه قوات الحشد آنذاك بعض الأسلحة إيرانية الصنع، فيما نأى حشد العتبات وسرايا السلام عن مشاركتهم الاستعراض قبيل ساعات من إقامته.