أحدث الاخبار
العراق 2021-02-19 18:14 220 0

تقرير مفصل يرصد تاريخ المالكي مع امريكا: طالب بخروج الاحتلال ثم "توسل" بواشنطن

اجتاحت قوات الولايات المتحدة الأمريكية العراق في عام 2003 ليشهد البلد العربي على أراضيه انفجار أزماتٍ سياسية متتالية، داخلية وإقليمية ودولية، ما زالت آثارها وعواملها فاعلة حتى اليوم في المشهد العراقي.

وكان رئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي ممن ضغطوا على الولايات المتحدة وطلبوا منها الخروج من العراق وسحب قواتها منها، ولكنه سرعان ما عاد لواشنطن يطلبُ ودها ويسألها عن الدعم، بتوظيف واحدة من كبرى شركات اللوبيات في العاصمة الأمريكية.

وتولّى «حزب الدعوة الإسلامية» العراقي حكم العراق منذ تكوين أول حكومة سياسية بعد الغزو الأمريكي، وفي مايو (أيار) 2006 صعدَ نوري المالكي من حزب الدعوة لمنصب رئيس الوزراء ليبدأ مناوراتٍ سياسية أبعدت بعض منافسيه من الشيعة والأكراد وهمّشت السنّة في البلاد.

كان نوري المالكي نشيطًا سياسيًا قبل سقوط صدام حسين ونظامه، وعارضَ صدام من خارج العراق، من مهجره في سوريا وبعد ذلك من إيران، وأشرف على افتتاح مخيَّمٍ عسكريّ في إيران لتجنيد وتدريب أعضاء حزب الدعوة الإسلامية، ليقاوموا نظام صدام بالقوة المسلحة، وقد كان يُعرف حتى بداية عمله رئيسًا للوزراء باسمه الحركي، جواد المالكي.

أحدثَ اجتياح العراق وسقوط صدام فجوةً ضخمة في السلطة في العراق، وأتيح لحزب الدعوة الإسلامية فرصًا كبيرة عزّزتها السياسة الأمريكية الساعية لتفكيك حزب البعث ومنع أتباعه – ومعظمهم سنّة – من الانخراط في الحياة السياسية، وتوافقت هذه الأجندة مع رغبات حزب الدعوة الإسلامية وتطلُّعه لحكم البلاد، ووظّفها المالكي لاحقًا لتعزيز سلطته ضدّ كل الأطراف الأخرى، من قوى سنية وكردية وحتى من التيارات الشيعية التي لم تشاركه في رؤاه السياسية على الدوام، مثل التيار الصدري وزعيمه مقتدى الصدر، والسياسي الشيعي إياد علاوي الذي قاد تحالفات سياسية شاركت فيها قوى من السنة.

في هذا التقرير نستعرض تعاقدًا لحكومة نوري المالكي مع جماعات ضغطٍ أمريكية في فترةٍ حرجة من تاريخ العراق، ونستعرض أهداف المالكي من هذا التعاقد والسياق الذي جاء فيه.
عقدٌ مليونيّ لحكومة نوري المالكي في واشنطن
في وقتٍ تتصاعد فيه الاحتجاجات في المدن السُنّية في العراق ضدّ حكومة نوري المالكي، وقبل أقلّ من عامين على الانتخابات البرلمانية العراقية التي قد تُنهي مسيرة المالكي السياسية أو ستفتح له الباب لرئاسة وزراء البلاد للمرة الثالثة، وظّفت حكومة المالكي في 5 فبراير (شباط) 2013 «مجموعة بوديستا – Podesta Group» للضغط السياسي والعلاقات العامة، وهي من أكبر شركات الضغط السياسي في الولايات المتحدة.

تأتي أهمية الشركة من علاقاتها الوثيقة والقوية بالحزب الديمقراطي، وقد تضخّم نفوذها ومعه تضخّمت سمعتها، بعد فوز الديمقراطيين بأغلبيةٍ في مجلس النواب عام 2006 ثم بعد عامين في 2008 تلاه فوز مرشح الحزب الديمقراطي، باراك أوباما، برئاسة الولايات المتحدة.

ومع قدوم أوباما تولّت هيلاري كلينتون منصب وزيرة الخارجية، ما رفع من أسهم الشركة، إذ أدارها آنذاك توني بوديستا، وأخوه هو جون بوديستا الذي عملَ مع الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون منذ دخوله البيت الأبيض، وكان مديرًا لموظفيه منذ نهاية 1998 وحتى خروجه عام 2001، وبعد فوز أوباما بانتخابات الرئاسة عام 2008، ترأَّس جون الفريق الانتقالي لأوباما، ثم عملَ مستشارًا له لمدة عام بين 2014 – 2015، وللشركة علاقةٌ قوية أيضًا بجو بايدن، نائب الرئيس الأمريكي باراك أوباما آنذاك، ولجو بايدن تأثيرٌ كبير في السياسة الأمريكية في العراق إذ أولاه أوباما إدارة الملف منذ بداية رئاسته.

هذه العلاقة المُكلِّفة بين حكومة نوري المالكي ومجموعة بوديستا، ستكشفُ عن ثمارها الكبيرة لصالحه في الشهور التالية لتوقيعه التعاقد، خاصةً أن هذا التعاقد جاء في جوٍّ سياسيٍّ مختنق في العراق، وبعد سنواتٍ طويلة من حكم المالكي أُقصيت فيها أطرافٌ عديدة ومختلفة كان أكبر الخاسرين فيها: سنّة العراق.

توافقت الحكومتان العراقية والأمريكية على أن يكون يوم 18 ديسمبر (كانون الأول) 2011 هو الموعد النهائي لانسحاب القوات الأمريكية من العراق، وهنا تحرّك المالكي، بعد يومٍ واحد فقط من موعد الانسحاب، في 19 ديسمبر 2011، فأصدر مذكرة اعتقال بحقّ السياسي السني العراقي طارق الهاشمي، الذي كان حينها في منصب نائب الرئيس العراقي، واتهمت حكومة المالكي الهاشمي بـ«دعم الإرهاب» وتنسيق هجمات «إرهابية» وتمويلها، وهي تُهمٌ نفاها الهاشمي وقال إنّها وجّهت له بدوافعٍ سياسية محضة بعد خلافه مع المالكي على كيفية التعامل مع احتجاجات العراق عام 2011، وخرجَ الهاشمي بعدها نحو إقليم كردستان العراق، ومنه ذهبَ إلى تركيا خوفًا من مُحاكمة غير عادلة في بغداد.

قدّمت حكومة المالكي شكوى للإنتربول صدر على إثرها في مايو (أيار) 2012 مذكرة توقيف بحق الهاشمي، ولكن رُفعت عنه عام 2016 بعد تشكُّك الجهاز من صحة المعلومات التي قدمتها حكومة بغداد ضدّ الهاشمي وبعد رحيل المالكي عن رئاسة الحكومة، ومن الجدير بالذكر أن المحامي الشخصي للهاشمي فُقِدَ أثره لتجد أجهزة الأمن العراقية جثته شمال العاصمة بغداد في مطلع 2017.

وفي لقاءٍ مع الهاشمي على شاشة قناة العربية عام 2017، قال إن احتجاجات العراق عام 2011 كانت السبب في خِلافه مع المالكي، الذي أراد أن يرُدّ بالقوة على التظاهرات، ويقول الهاشمي إنّه كان السياسي الوحيد الذي رفضَ مقترح المالكي وحمّله مسؤولية عواقب استخدام العنف ضدّ المحتجين.

وفي مارس (آذار) 2012 سعى برلمانيون لنزع الثقة من حكومة المالكي ولكنّهم فشلوا في تحصيل الأصوات المطلوبة دستوريًا لتدشين عمليّة التصويت على نزع الثقة، وفي نهاية 2012، اندلعت احتجاجات في المدن السنية طالبت بالإفراج عن المعتقلين السنّة وبالإصلاح السياسي في البلاد ليكون للسنة دورٌ أكبر في السلطة، وتجدّدت الأزمة باعتقال حكومة المالكي لأفراد من طاقم الحماية الخاص بوزير المالية، السياسي السني رافع العيساوي، ثم تلتها محاولة اغتيال فاشلة في 2013.

وبذلك استفتح المالكي عام 2013 بمشهدٍ سياسيٍّ مشتعلٍ في العراق، وفاقم المشهد الردُّ بالقوة على احتجاجات السنة ومقتل العشرات منهم، وتلته المواجهات مع «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، ومنذ منتصف 2012 وحتى منتصف 2013 أطلق التنظيم حملةً لتحرير سجناء تنظيم القاعدة والجهاديين من السجون العراقية، وخلال 2013 توسّعت سيطرته على أجزاء من العراق وصولًا إلى منتصف 2014 ليسيطر التنظيم على الموصل، والفلوجة، وتكريت، وفي تلك اللحظة تدخّلت إيران بشكل مباشر في الحرب ضد التنظيم، وطلبت الحكومة العراقية من الولايات المتحدة أن تنفّذ هجمات جوية ضد «داعش»، وفي 29 يونيو (حزيران) 2014، أعلن التنظيم تأسيس «الخلافة»، وخرجَ المالكي بعدها بشهور من رئاسة الوزراء والحرب على أشدّها ضد التنظيم.

في هذا السياق المحلّي المُعقّد جاء تعاقد حكومة المالكي مع مجموعة بوديستا للضغط السياسي، ووقّع على هذا العقد جابر حبيب جابر، سفير العراق في الولايات المتحدة حينها، وقيمة العقد السنوية 960 ألف دولار أمريكي، وقدّمت الشركة بموجبه خدمات ضغط سياسي لحكومة نوري المالكي، وأشرفت على وضع خطة علاقات عامة وتنفيذها لصالح الحكومة.
ويُذكر أن علاقة الشركة بالحكومة العراقية استمرَّت حتى بعد خروج المالكي من السلطة في سبتمبر (أيلول) 2014، وتابعت تقديم خدماتها في عهد رئيس الوزراء حيدر العبادي حتى 31 مايو (أيار) 2017، وهو تاريخ إنهاء الحكومة العراقية لتعاقدها مع الشركة، ولكن إنهاء التعاقد يأتي بعد فوز دونالد ترامب، مرشح الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016، ما عنى آنذاك تراجع قوة الشركة ونفوذها في سوق اللوبيات لأن هيلاري كلينتون خسرت الانتخابات، وكانت احتمالية فوزها رفعت من أسهم شركة بوديستا لما بينها وبين عائلة كلينتون من علاقات قوية، ورغم ذلك، قال مسؤول عراقي لم يكشف عن هويته لموقع «المونيتور»، إنّ الحكومة العراقية تحتاج لتقليص نفقاتها ولهذا السبب أنهت علاقتها بالشركة.

وطوال سنوات التعاقد، من فبراير 2013 وحتى مايو 2017، أخذت الشركة 3 ملايين و865 ألف دولار أمريكي من الحكومة العراقية، وضغطت لصالحها بشكلٍ أساسي على الكونجرس ووزارة الخارجية الأمريكية، وعلى كبرى وسائل الإعلام في الولايات المتحدة.

ضغطٌ على الكونجرس والخارجية الأمريكية
كما ذكرنا، فقد بدأ تعاقد الحكومة العراقية – برئاسة المالكي – مع شركة بوديستا في فبراير 2013، وقد انصبّ الجزء الأكبر من أنشطة مجموعة بوديستا وضغطها على الكونجرس، وبشكلٍ أكثر تحديدًا: على لجان الخارجية والقوات المسلحة.

وكلا اللجنتين تشرفان على السياسة الخارجية للولايات المتحدة، وعلى الوجود العسكري الأمريكي حول العالم وتفاصيله، وتشرف على أجزاء من المساعدات والتمويل الأمريكي لحلفاء الولايات المتحدة، بما في ذلك برامج إعادة الإعمار والتنمية في العراق.

حافظت الشركة على اتصالاتٍ واجتماعاتٍ مستمرة مع أعضاء كونجرس من هذه اللجان، بالإضافة للتواصل مع الموظفين العاملين فيها، والذين يشرفون على أنشطة اللجان وتشريعاتها.

يظهر في وثائق الشركة ضغطها في الفترة الأولى على ماك ثورنبيري، النائب الجمهوري وعضو لجنتي الاستخبارات والقوات المسلحة، ويترأس في الأخيرة لجنة فرعية عن «الاستخبارات والتهديدات الناشئة». وثورنبيري من المتابعين لملف العراق في الكونجرس، وفي يناير (كانون الثاني) 2007 وصفَ الحرب في العراق بأنها صراع «أيديولوجي وسياسي»، وأيّد مطالب الرئيس بوش بإرسال المزيد من الجنود الأمريكيين للعراق.

وفي فبراير (شباط) 2013 دعا ثورنبيري لتوسيع الصلاحيات الممنوحة للقوات الخاصة الأمريكية، لتصبح مُخوّلة قانونيًا بتدريب القوات الخاصة في دولٍ أخرى حليفة، ويرى ثورنبيري أن هذا الأسلوب أقل كلفة على الولايات المتحدة من كافة النواحي، فبتدريب مقاتلي القوات الخاصة لدول أخرى سيستطيعون لوحدهم، دونَ مشاركة قوات أمريكية في القتال، أن يُقاوموا «الحركات الإرهابية» مثل القاعدة في ديارهم، ما سيمنع تكرار مشهد هجمات 11 سبتمبر بكلفة أقل وكفاءة أعلى.

وبالطبع يروقُ هذا المقترح لرئيس الوزراء نوري المالكي الذي كان يطلب بشكلٍ مستمر دعمًا أمريكيًا عسكريًّا للقوات الخاصة العراقية التي عملت بأوامر مكتب رئيس الوزراء بشكلٍ منفصل عن باقي الجيش العراقي.

ولاحقًا عملَ ثورنبيري – في مايو (أيار) 2015 – ومعه أغلبية في الكونجرس على إقرار مخصّصاتٍ مالية لتسليح جهات داخل العراق مثل الأكراد والسنّة، ليستطيعوا مقاتلة «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)»، ونصّت تشريعات الكونجرس التي اقترحها ثورنبيري على أن يقدِّم السلاح والتمويل بشكلٍ مباشر من الولايات المتحدة لهذه المجموعات السنية والكردية، دون المرور بالحكومة المركزية في بغداد التي يتحكّم فيها رئيس الوزراء الجديد آنذاك، حيدر العبادي، خَلَفُ نوري المالكي وأحد أبناء حزبه.

وقد أصدر ثورنبيري بيانًا تعقيبيًّا على اغتيال الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، قال فيه إن سليماني كان مسؤولًا عن مقتل الآلاف من العراقيين ورجال القوات المسلحة الأمريكية في العراق، وإن إيران مسؤولة عن التوتر الحاصل في المنطقة.
ووفقًا لوثائق وزارة العدل الأمريكية فقد تواصلت الشركة مع مجموعةٍ أخرى من أعضاء الكونجرس، من بينهم النائب الديمقراطي تيد دتش، عضو لجنة الخارجية وزعيم الأقلية الديمقراطية في لجنتها الفرعية عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وهو من كبار مؤيدي إسرائيل في الكونجرس وداخل اللجنة، إلى حد معارضته للاتفاقية النووية الإيرانية التي رعتها إدارة أوباما رغم أنَّه من الحزب الديمقراطي. وهو على خلافٍ مع توجُّه عموم أعضاء الحزب في الكونجرس.

تواصلت الشركة واجتمعت مع تيد دتش أكثر من مرة، ولكن دون الكشف عن تفاصيل الاتصالات وموضوعها، ومن الجدير بالذكر أن النائب دتش كان يتابع في مطلع 2014 مفاوضات بين الحكومة الأمريكية والعراقية لتنقل للولايات المتحدة آثارًا تركها يهود العراق بعد هجرتهم منها في الثلاثينيات والأربعينات، وقد تمّت الصفقة لاحقًا في مايو (أيار) 2014، وتواصلت أيضًا مع السيناتورين الجمهوري مارك كيرك، عضو لجنة المُخصَّصات، المسؤولة عن المساعدات، والديمقراطي بوب كايسي، من لجنة المالية والعضو بلجانٍ أخرى.

وتواصلت الشركة أيضًا مع عدّة مسؤولين بوزارة الخارجية، من أهمهم الدبلوماسي روبرت ستيفن بيكروفت، سفير الولايات المتحدة إلى العراق (سبتمبر 2012- سبتمبر 2014)، وتواصلت أيضًا مع مايكل لافالي، المتحدث باسم الخارجية الأمريكية في شؤون العراق، وتواصلت الشركة مع ثلاثة موظفين آخرين يعملون بالوزارة لم نستطع التوثُّق من طبيعة عملهم.

وفي الفترة نفسها تواصلت الشركة مع مراكز بحثية. ويرد في الوثائق اسم مايكل روبين، الباحث في المعهد الأمريكي لأبحاث السياسة العامة، وهو مهتم بتركيا وإيران والعراق، وله أبحاث وكتب أكاديمية عنها وعن المسألة الكردية في هذه الدول.

وفي النصف الثاني من عام 2013 صعّدت الشركة من اتصالاتها مع الكونجرس، تمهيدًا لزيارة المالكي للولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، فاجتمعت الشركة على الأقل مع 11 عضوًا في الكونجرس، من كلا الحزبين، يعمل معظمهم في واحدةٍ أو أكثر من اللجان التالية: الخارجية، والمخصصات، والقوات المسلحة.

وتواصلت الشركة أيضًا مع مكاتب أعضاء بارزين في الكونجرس، منهم الجمهوري جون بوينر، رئيس مجلس النواب، ولاحقًا تواصلت معه الشركة ثلاث مرات على الأقل.

ومن الأعضاء البارزين أيضًا السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام، الذي كان عضوًا في لجنتي القضائية والمخصصات والقوات المسلحة، ومع السيناتور الشهير جون ماكين، وهو عضو في لجنتي القوات المسلحة والخارجية.

كان ماكين من أشرس الجمهوريين المؤيدين للحرب على العراق في 2003، وظلّ ثابتًا على موقفه الداعم للحرب حتى آخر عمره، وأيّد في السنوات التالية للغزو إرسال المزيد من القوات الأمريكية للعراق وكان يرى أن النصر الأمريكي قريب، ولكن موقع «بولتيكو» نقلَ أنه قال في مذكراته بأن حرب العراق كانت خطأً كبيرًا فعله الأمريكيون.

نافسَ ماكين في انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2008 ضدّ باراك أوباما، وفي حملته الرئاسية انتقدَ دعوة أوباما والديمقراطيين لسحب القوات الأمريكية من العراق وكان ضدّها.

وفي النصف الثاني من عام 2013، كثّفت الشركة من تواصلها مع وزارة الخارجية الأمريكية، فاجتمعت عدّة مرات مع روبرت بيكروفت، السفير الأمريكي للعراق، واجتمعت بالدبلوماسي الرفيع بريت ماكجورك، بصفته آنذاك نائبًا لمساعد وزير الخارجية الأمريكي، والذي عيّن لاحقًا في سبتمبر 2014 مبعوثًا أمريكيًا للتحالف الدولي لمحاربة تنظيم «داعش».

واجتمعت الشركة مع جوناثان واينر، وهو مستشار أوّل في الخارجية الأمريكية مسؤول عن التفاوض مع حركة مجاهدي خلق، وأشرفَ واينر لاحقًا على نقل مقاتلي الحركة من مخيمهم في العراق إلى دولة ألبانيا بعدما تعرضوا لهجمات مستمرة من قوات تابعة للحكومة العراقية.

يمكنك الإطلاع على أنشطة حركة مجاهدي خلق في لوبيات واشنطن بالتفصيل من (هنا).

واجتمعت الشركة مع موظفين آخرين بالخارجية في الفترة نفسها، ومن اللافت للنظر في هذه الفترة اجتماع مع مايكل آبرامويتز، الذي كان حينها رئيس متحف الهولوكوست التذكاري في الولايات المتحدة، وكان الاجتماع به لمناقشة العلاقات العامة للعراق.

بوديستا تمهّد لزيارة المالكي للولايات المتحدة
في نهاية عام 2013 حلّ نوري المالكي ضيفًا على الولايات المتحدة ليحضر اجتماعًا في يوم 1 نوفمبر (تشرين الثاني) مع الرئيس الأمريكي أوباما في البيت الأبيض، وقبل قدومه مهّد المالكي بتوظيف شركة بوديستا للضغط السياسي لتساعده على تحصيل دعم أوسع في الكونجرس الذي لم يكن متفائلًا بقدومه ولا مرحبًا به.
جاء المالكي لواشنطن بحزمةٍ من الطلبات: دعم أمريكي عسكري مباشر للحكومة العراقية، وتدريب عسكري ودعم استخباراتي، بالإضافة لتزويد العراق بمقاتلات أباتشي، وطلعات جوية لدرونز أمريكية لتحديد مواقع مقاتلي التنظيمات الجهادية وتحديدًا تنظيم القاعدة.

وحمل المالكي معه خطابه التقليدي والمعتاد: العراق بخير، والحياة السياسية مُنفتحة وتضمّ الجميع بلا استثناء وتسيرُ بتوافق تام مع الدستور العراقي، وقال في كلمةٍ له في مركز أبحاث أمريكي إنّه «لا مشكلة بين السنة والشيعة في العراق»، وكل ما تحتاجه البلاد: المزيد من الدعم لمحاربة «الإرهاب»، هذه الرسالة التي حملها المالكي للأمريكيين في زيارته وأعلن عنها بمقالة رأي نشرها في صحيفة «نيويورك تايمز» بعنوان:«تحلّوا بالصبر معنا».

وفي زيارته، اجتمع المالكي مع زعماء لجنة الخارجية بمجلس الشيوخ؛ رئيسها السيناتور الجمهوري بوب كروكر، وزعيم الأقلية الديمقراطية بوب مينيندز، وقد أعرب كلاهما عن خيبة أمله في المالكي وعن تجاهله التام للمشاكل التي تحدَّثا عنها، وقال مينيندز إن المالكي بدا وكأنه «لا يعترف» أبدًا بالتحديات التي تواجه المجتمع العراقي، بحسب ما نقلت صحيفة «نيويورك تايمز»، وكلاهما لم يُذكرا في وثائق الشركة، ما يعني أنه في الغالب نسّق طرف آخر اجتماعات المالكي معهما.

واجتمع المالكي في زيارته بعدة مسؤولين أمريكيين كبار، كان من بينهم جو بايدن، نائب الرئيس أوباما آنذاك، وبعد الاجتماع أعلن عن أن وزارة الدفاع الأمريكية ستمضي قدمًا في صفقة مقاتلات أباتشي مع العراق.

ضغط المالكي وحزبه، حزب الدعوة الإسلامي، قبل 2011، لتسريع انسحاب القوات الأمريكية من العراق، وبعد أقل من سنتين على انسحابها عادَ المالكي «حاجًّا إلى واشنطن» يطلبُ المساعدة الأمريكية، فماذا كان موقف الولايات المتحدة؟ وما رؤيتها بشأن علاقة المالكي المُعلنة والواضحة بخصمها في المنطقة إيران؟ يردُّ مسؤول رفيع في البنتاجون: هذا نقاشٌ ليوم آخر. بحسب ما نقل موقع «ميليتري» الأمريكي، وقال المسؤول إنّ التركيز آنذاك كان على دعم العراق ليتمكَّن المالكي من مواجهة تنظيم القاعدة، وهو ما حصل بالفعل.

أوكَل الرئيس الأمريكي أوباما ملف العراق بالكامل لنائبه جو بايدن، ما أوحى بإشارة للأطراف العراقية بأن العراق أصبحت ملفًا ثانويًّا على الأجندة الأمريكية، ورافق هذا عدم وضوح في سياسة الإدارة الجديدة تجاه العراق، وسعيها المتعجّل للخروج منه بأقل الخسائر.

هذه السياسة المشوّشة تجاه العراق تنعكسُ في حالة مكتب التعاون الأمني في السفارة الأمريكية ببغداد، المكتب المسؤول عن تنسيق مبيعات السلاح الأمريكية والإشراف على التدريب العسكري ومراقبة القوات العراقية، فبحسب تقرير لوزارة الدفاع الأمريكية تعطّل عمل المكتب بسبب خلافات بين البنتاجون ووزارة الخارجية الأمريكية بشأن مهام المكتب وإذا ما كان سيقدر أن ينفذ أعماله بعد تقليص عدد موظفيه عام 2015 من 260 إلى 59 موظفًا، بحسب ما نقلت صحيفة «نيويورك تايمز»، ولهذا التقليص دلالته على تراجع الاهتمام الأمريكي في تلك اللحظة بالملف العراقي.

ريان كروكر، السفير الأمريكي إلى بغداد (2007-2009)، قالَ في 2013 إنَّ التواصل الأمريكي مع العراق كان يتم على مستوياتٍ عادية، بدون تواصل بين كبار المسؤولين في البلدين، وأشار لزيارة جون كيري عام 2013، وهو وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، وكانت زيارته الأولى منذ أربع سنوات.

اتصالات المالكي الأخيرة مع الكونجرس
مع بداية عام 2014 استعدّ العراق لانتخاباتٍ برلمانية جديدة كشفت مع تقدّمها عن توافقٍ إقليميّ ودوليّ لإخراج نوري المالكي من المعادلة السياسية في العراق، ورغم أن قائمة المالكي، «دولة القانون»، فازت بأكبر عددٍ من المقاعد، فإن المفاوضات مع قوائم أخرى لتشكيل الأغلبية وتشكيل الحكومة تمخّضت عن اختيار مسؤولٍ آخر في حزب الدعوة الإسلامية ليصبح رئيسًا للوزراء، هو حيدر العبادي، في 11 أغسطس (آب) 2014.
وبعد صدور قرار تعيين العبادي لاقَى الخبر ترحيبًا دوليًّا من الولايات المتحدة، وإقليميًّا من إيران والسعودية وتركيا، ومحليًّا من قوى سياسية مختلفة. لكنّ المالكي رفضَ القبول بنتيجة التفاوضات واعتبرَ أن تعيين العبادي خرقٌ للدستور، وقال المالكي إن رئيس الوزراء يجب أن يكون رئيس أكبر قائمة برلمانية، وقرّر رفع طعون للمحكمة الاتحادية لإبطال القرار، وفي أغسطس (آب) 2014 تراجع عن طعونه وقالَ إن الشعب انتخبه ولكنه تنازل عن حقه «حفظًا للدماء وللعملية السياسية».

خلال النصف الأول من عام 2014 تابعت شركة بوديستا اتصالاتها مع الكونجرس وقلَّلت من تواصلها مع الخارجية الأمريكية كما تكشف وثائق الشركة. الاتصال الوحيد مع وزارة الخارجية الأمريكية في تلك الفترة مع نائب مساعد وزير الخارجية، بريت ماكجورك الذي تحدثنا عنه سابقًا.

أما مع مجلس الشيوخ فركّزت الشركة على أعضاء كبار، على رأسهم ميتش ماكونيل، زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ، وعضو لجان الاستخبارات والمخصصات. وتواصلت بشكلٍ متكرر مع مكتب النائب الجمهوري جون بوينر، رئيس مجلس النواب. وتواصلت الشركة مجددًا وأكثر من مرة مع مكتب السيناتور الجمهوري جون ماكين، ومع النائب ماك ثورنبيري سابق الذكر.

ومن الاتصالات المهمة أيضًا مع النائب دتش ربيرسبيرجر، زعيم الأقلية الديمقراطية في لجنة الاستخبارات، وأيضًا مع زميله الديمقراطي آدم سميث، زعيم الأقلية الديمقراطية في لجنة القوات المسلحة، ولم تستأنف الشركة اتصالاتها مع وزارة الخارجية إلا بعد تنازل المالكي بشكلٍ كامل عن السلطة لحيدر العبادي، وبعدها تابعت تقديم خدماتها للحكومة العراقية الجديدة.

آخر الاخبار