أحدث الاخبار
المطلع
معتمدة لدى نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1953
مقالات عامة 2022-08-07 10:08 1865 0

علي وجيه يكتب: موتُ التحليل السياسي

قضيتُ اليومين الماضيين بالبحث بين صفحات الأصدقاء، الكتّاب، المحلّلين، الأكاديميين، لمحاولة فهم ما يجري، وأعني: فهم الانسداد السياسي وتطوّر ما يحدث من معركة سياسية – احتجاجيّة بين التيار الصدري والإطار التنسيقي، بوصفهما أكبر فاعليْن شيعيين في العراق ذي الأغلبية الشيعية، ثم انعكاس ذلك على البيتيْن السنّي والكردي.
يومان من البحث، لم أجد إلاّ تنقالاً لبيانات سياسيّة خرجت من الإطار، أو تغريدات مقتدى الصدر أو وزيره صالح محمّد العراقي، وبعض اللقاءات التلفزيونية لوجوه تابعة لهنا أو هناك.
كنتُ أبحث في صفحات مَن أراهم فعلاً محلّلين سياسيين، وليست الطبقة التي سأتحدثُ عنها بعد قليل، الكتّاب ذوي المقالات المطوّلة، التي تكتبُ الفرضية ثم تمضي معها في سياحةٍ فكريّة رائعة، وإن اختلفتَ مع بعضهم، لتنتهي إلى نتيجة معيّنة، وإن كنتَ مع النتيجة أو ضدّها فأنتَ تخرجُ بحصيلةٍ معيّنة من زاوية نظر جيّدة، يقدّمها ذلك المحلل أو هذا.
لكنهم صامتون، وصامتون لأن ما يحدث ليس فيه أيّة خوارزمية واضحة لمعرفة إلى أين تسير الأمور، وصمتهم هذا صمتُ مَن يعرفُ الأشياء، لا مَن يجهلها، فمَن يجهل الكواليس تجده أكثر كتابةً ونشراً وتبنّياً للمواقف، مع جمل ممجوجة من قبيل "قضي الأمر الذي به تستفتيان" أو "كما قلتُ لكم" ثمّ يعيد نشر تغريدة قديمة قال فيها "النظام السياسي انتهى" وكأن هذه الجملة لم يقلها ٤٠ مليون عراقيّ، بمَن فيهم ممثّلو هذا النظام!
هذه الفئة، التي تتناقلُ بين الفضائيّات، لا تقدّم تحليلاً بقدر ما تقدّم خلطة من تمنّيات شخصية، أو تمثيلات لوجوه سياسية وتيّارات بعينها، وإن تغيّر اتجاه هذا التيّار أو ذاك، ستعرف تغيّره من هذه الوجوه، فيتحوّل الكرد من "إسرائيليين انفصاليين" إلى "شركاء بالوطن"، أو العكس. أو يتحوّل السنة من "محرّكات المشروع الإسرائيلي – الإماراتي" إلى "العمق والأخوّة ومحاولة تهدئة البيت العراقي ككل"، والتيار الصدري مثلاً من وجهة نظر الإطار من "شقّ عصا التشيّع" إلى "ابن مرجعنا الصدر وأنه تيّار كبير ومن غير الممكن تجاهله"، ثمّ تعود غالبية الوجوه الصدرية لتقلبَ أيضاً آراءها بين أسبوع وأسبوع، فتجد مَن يحيّي القضاء ثم يهاجمه، أو يبزّ الحشد الشعبي ثم يمتدحه، وهكذا!
"المحللون" من الفئة الثانية يتقنون التبرير المضحك لهذه الاتجاهات، وهنا أعني حتى المحللين الكرد والسنّة، الذين تسمع منهم جميعاً، جملاً رثّة، وتشبيهات شعبويّة، وإن سألتَهُ "إلى أين تمضي الأمور؟" سيصمت!
ينزلقُ الأمر أحياناً، ليكون الصراخ والشتائم سيّديْ الموقف، والتخوين، والانسحاب من البرامج، دون أن يفهم المشاهد أو القارئ العراقي ما يريدُ فلان بالضبط، وماذا يريد حزبه أو اتجاهه.
في حين تنفق الولايات المتحدة الأمريكية، وأوروبا، وحتى إسرائيل مبالغ هائلة لمراكز البحوث، تفتحُ الأحزابُ مراكزَ وهميّة، لا تنتجُ بحثاً ولا مقالة، يمكن أن تفكّك الظواهر التي نمرّ بها، وما خلا بعض الجهود الفردية هنا وهناك، نحن نمرّ على الحدث فنَصِفه، دون أن نعبر البشرة منه.
المحلّلون الفعليّون صامتون، فمن الممكن أن تشتعل حرب شيعية – شيعية يوم غد، يمكن أن يعيد الصدر نوّابه، يمكن أن يقوم الإطار بأيّ شيء، دون أيّ مقدّمات، أو أيّ أفعال ابتدائيّة يمكن أن تفهم من خلالها المشهد، والفضاء العام مشغول بالدائرين حول الفضائيات ليقدّموا ذات الحديث الخالي من المعلومة والتحليل الذي يحتاجه الجميع، بما فيهم السياسيون!
يبدو أنّ النظام السياسيّ هذا لم يقتل الدستور، وأوقاته، والأداء السياسي شبه الأنيق الذي كان في السنوات العشر الأولى منه، بل قتل التحليل السياسي العلميّ، الذي يحاول أن يقول لك ماذا يحصل، وماذا سيحصل، والآن نشيّع جثّة إضافية رمزيّاً باتجاه مقبرة ثوابت السياسة العراقية، التي تشبه كلّ شيء عدا السياسة التي درسناها وقرأنا عنها