أحدث الاخبار
المطلع
معتمدة لدى نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1953
مقالات عامة 2022-08-30 15:08 598 0

علي وجيه يكتب: قردة طبول ليلة الهرير

انتهتْ ليلة الهرير، الصِدام بين جماهير التيّار الصدري ومسلّحيه، وبين القوات الأمنية من جهة، ومضى يوم كامل من الرعب، أعادَ كلّ شيء للأذهان: من قصف الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس كلينتون، الذي سمعناه أطفالاً، مروراً بقصف احتلال العراق، مروراً بالحرب الأهلية، والحرب على داعش، ورصاص تشرين، كلّ ما تقدّم كُبسَ بليلةٍ واحدة، برعبها وأصواتها.

انتهت الليلة، وقبل انتهاء الليلة، حيث تتقزّم اللغة، ويعجزُ المرء عن الإتيان بحرف واحد، تحليلاً، أو شرحاً لِما يحدث، لكن ما حدث هو شيءٌ آخر تماماً، ما حدث هو شيءٌ بعيد عن المسلّحين حتى، وإنما في المنصات الإعلامية المختلفة، التابعة للإطار والتيار والمتفرّجين من الاتجاهات الأخرى.

كنّا نسمعُ ونقرأ عن القِردة الراقصين على طبول الحرب، لكننا لم نرهم بشكلٍ واضح إلاّ في هذه الأزمة، أصوات إطارية أخرجت الصدريين من الإسلام والتشيّع، واستمرت بمقولة إن الصدر هو جزء من ملف تطبيعيّ خائن ممزّق للبلاد، وأن تيارهم بعثيّ، مليء بالجهلة، والمُستغرب أن بإمكان هؤلاء المتحدثين الاستمرار لعدة ساعات وهم يلوكون بهذه الجمل، ويؤسسون لها، حتى ينتقلوا من مهاجمة مقتدى الصدر والصدريين ليصل الأمر حتى والده المرجع الصدر الثاني (قده).

وبالمقابل، يقولُ قسّ بن ساعدة، خطيب العرب ومفوّهها "ذلّ مَن لا سفهاء له"، فيخرج الصدريون بعض السفهاء وهم يطبّلون ويدعون إلى قتل "الجالية الإيرانية في العراق" و"سحل الميليشيات وأسرهم" وأن "احرقوا مقراتهم" وهؤلاء "التبعية الذيول" وغير ذلك من الخطابات المتشنّجة، لكن المفارقة أن الخطابين أعلاه يصدر إما عن حسابات وهميّة، أو قردة راقصين على طبول الحرب خارج العراق، حتى إن اشتعل العراق عن بكرة أبيه لن يروا دخانه إلاّ من شاشات الهواتف، وهذه الأحزاب هي مجرّد رافعة، عسى أن تسلّم أحداً منهم منصباً يوماً ما.

ما بين هؤلاء، يدخلُ الخطاب البعثيّ، ناعماً، بغير صورٍ، ليصفّق لـ"الزعيم الصدر الذي سينهي وجود الحشد الشعبي"، حتى ليتحدثوا بالأمر لعدة ساعات، وهؤلاء نفسهم شتموا الصدر، صباح اليوم، أقذع شتائم، لأنه أوقف التوترات وسحب جميع الجماهير بنبرة آمرة متوعّدة، قبل أن يعلن اعتزاله للسياسة. بليلة واحدة تحوّل الصدر من "زعيم وطني أوحد" إلى صفات أترفع عن ذكرها وإن على سبيل الاقتباس.

الفوضى الإعلامية التي تشمل جميع الأحزاب سمحت بظهور كثير من النماذج الطحلبيّة، الملتصقة عنوة بها، وأيضاً ثمة نماذج أخرى هي أشبه بتربية كلب حراسة، ولكل حزبٍ أنيابه، ولكل سفيه سفيهٌ آخر يقابله، في مشهد كوميدي – تراجيدي في الوقت ذاته، مخلوط بالدم، والتراجع، وعدم التطور، والفوضى، وغير ذلك من المصير المؤسف الذي مُنيَ به العراق المسكين.

انتهت ليلة الهرير، ألجمَ الصدرُ هؤلاء القردة الراقصين، وألجمَ الإطار بحكمة عدم الرد القردة الآخرين، وعاد البعثيون، والملامِسون لهم إلى شتيمة الطرفين، فلا قيمة لكما، أيها الشروكَيان الشيعيان، إلاّ حين تحملون البنادق، حين تقتلون بعضكم بعضاً، ويأتي ذات الدفان النجفي يدفنكما بـ"كرك" واحد، وبأرض واحدة، لتبكي عليكم عجوز واحدة، بالنواعي ذاتها، ويتلثّم شيخٌ بيشماغ واحد، ليبكي بدمعة واحدة، على أخوة متقاتلين.

فوّت الصدر والإطار الفرصة، على مَن كانوا يصفّقون لداعش، وللقاعدة، وللحزب الإسلامي وحزب البعث، وحتى على الحركات الشيعية المنحرفة، ورغم أن اليوم انتهى بعدد لا يُستهان به من الضحايا، وأن التوتر بشتى الأحوال قائم، لكن القردة الآن تسحبُ ذيولها بين أقدامها، خاسئةً خاسرةً، بانتظار طبول أخرى قد تدقّ في المستقبل القريب، وعسى أن لا تدق!