أحدث الاخبار
المطلع
معتمدة لدى نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1953
مقالات عامة 2022-06-22 14:06 931 0

علي وجيه يكتب: درس المشمش

لشأنٍ طبّي، اضطُررتُ أن أقضي ١٥ دقيقة تقريباً، لأكل حبّة مشمش واحدة، من حديقة صديقي.

أمرٌ طريف، أن يضطرّ إنسانٌ يزنُ نحو ١٣٠ كغم، لأكل حبّة واحدة، ليست كبيرة جداً، كما يأكلها طيرٌ صغيرٌ في قفص، مثلما كنّا نراه في طفولتنا، حين تُحشر الثمرة بين قضبان قفصه، ثمّ يأكلها بفمه المدبب الناعم، ليستمرّ بذلك يوماً أو أكثر.

لكن ما اضطرّني لذلك، غير الذي يضطرّ الطير، وما جنيتُهُ بعد هذه التجربة البسيطة، كان ساحراً بطريقةٍ غريبة.

الإسراعُ بممارسة الحياة، في كلّ نواحيها، هو فقدان لمعنى هذه الحياة وطعمها، ثمّة عالمٌ بإيقاع مجنون، يجعلُ أفراده جميعاً يركضون كما لو كان كلبٌ مسعورٌ يركض وراءهم، أو قطار يبغي سحقهم تحت عجلاته.

نحن موظّفون لدى ذلك الإيقاع السريع، لم يعد التكاسل بالاستيقاظ ملمحاً إنسانياً، كما تفعله البشرية منذ آلاف السنين، إنّك تفتحُ عينيك وبك قلقٌ خوفاً من أن يفوتك شيء من العالم الألكتروني الذي يطاردك، فأنتَ موظّف لدى الإشعارات، واتساب فيسبوك انستغرام تويتر تيليغرام الخ من أعداء الإيقاع البطيء، لم يعد الإنسان يغنّي في الحمام، فهو يجبُ أن يركض باتجاه غابة الشارع المزدحم، وعليه أن يقود بسرعة نحو العمل، الذي يسير فيه كلّ شيء بتوترٍ عالٍ، وصراخ، وإمكانية بأن يكون ذلك اليوم مليئاً بالمشاكل التي تغيّر مسار حياته بالكامل.

ثمّة إيقاع مجنون، يسيرُ وفقه العالم بالكامل، يؤثر ذلك حتى على طعامنا، منامنا، تنقّلنا، فقد مضى زمن على انتباهنا لحركات وجوه متحدثينا، نحنُ نريد النتائج، أن تقول لي "أريد كذا"، أو "أنا كذا"، مضى زمنٌ تستطيع فيه قراءة وجه مَن يجالسك، ألا يضطرّ البشرُ لطلب كل شيء بألسنتهم من أصدقائهم وشركائهم وزملائهم وغير ذلك؟ كان الأمر أبسط في السنوات الماضية، سنوات ما قبل الإيقاع السريع.

حتى الطعام، الذي يُعتنى بكل تفصيلة منه، بدأ يتحوّل إلى سعرات داخلة، تتحول إلى مجرّد مطروحات في دورة المياه، كان الطعام ثقافةً كاملة، ثقافة بطء، في الإعداد، والتقديم، والأكل، والانتهاء، مضينا الى زمنٍ توقّف فيه حتى الآباء عن أخذ قيلولتهم المعتادة، أو شاي العصر الشهير، أو لحظة السمر مع الزوجة، فالحديث هو ستيكر، والقبلة وجه باسم يقبّل، ولمسات اليد لم تعد تلك اللمسات البطيئة التي تصنعُ من الأنثى أنثى، والرجل رجلاً، ثمّة عالم مجنون في الخارج للتفكير به.

يتحدثُ كارل أونوريه في كتابه الساحر "في مديح البطء" عن حركات عديدة في العالم، تمارس البطء والتلذّذ بطعم الأشياء، من الأكل للنوم وصولاً للجنس وليس انتهاءً بالقراءة، لكن هل ثمة إمكانية لتطبيق ذلك عراقياً؟ نحن شعبٌ متوتر، يمارس كل شيء كما لو كان أنه سيفقد كل شيء بعد قليل، يريد اللحاق بما يفوته، لكنك لا تعلم بالضبط ما هو، لِماذا يُسرع سائق السيّارة بشكل جنوني، وإن كان يعلم بأنك وهو، ستنامان بذات الازدحام بعدها بدقائق؟

من نِعَمِ حياة ما بعد الثلاثين، أنّك تتوقف عن محاولة فعل كل شيء بوقت واحد، بعد أن كنتَ قطاراً مسرعاً يفعل كل شيء في العشرينات، ثمّة وقت لا بأس به لكسل الظهيرة، أو سماع أغنية تستمر ساعة كاملة لفريد الأطرش، بعيداً عن سندويتشات الأغاني من ٣ دقائق، ربّما تنظرُ للسقف لنصف ساعة بلا هدف معيّن، فقط لمحاولة صنع إيقاع بطيء خاص بك، إيقاع بطيء يكفي لأن تنهي حبّة مشمش واحدة في ١٥ دقيقة.

انتبهوا كيف نأكل المشمش، الالتهام السريع الذي لا يتيح حتى للسان أن يتذوّق هذه الثمرة، بينما أكلها ببطء، وذلك ينطبق على كل شيء، يمنحك مذاقاً لـ١٠٠ حبّة مشمش، في ظهيرتك الكسولة.

تباطئوا، يرحمكم الله!