أحدث الاخبار
المطلع
معتمدة لدى نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1953
مقالات عامة 2022-06-04 15:06 1051 0

علي وجيه يكتب: جاموسٌ أعمى، وحزين..

مضتِ الطرّادة، طرّادة "أبي حيدر"، تشقّ ماء الهور في الجِبايش (ذي قار)، في آخر أسبوعٍ يصلح لزيارة الأهوار، قبل أن يشتدّ الحار.

وكما يُجيد الصحفيّ تخريب أجمل اللحظات، اخترتُ مزاحَهُ معي، لخوفي من الماء، لأفتح مواضيع أخرى، فهو انتبه إلى فوبيا الماء التي أحملها، فقال:

  • عيني استاد، اذا انكَلبت الطرّادة، تره الماي متر ونص، يعني بس توكَف على حيلك ما تغركَـ!

أبو حيدر، سائق الطرّادة، مواليد نهاية الستّينات، ولعلّ هذه المواليد شهدت احتدام الأحداث في الأهوار العراقيّة أكثر ممّا شهدتها منذ عهد كَلكَامش الأسطوري، فالعقود المرّة من الثورات، ثمّ التجفيف، والإهمال، كانت الأقسى على مساحة الأهوار الحزينة، التي كانت سعيدة.

نحتفظُ كلّنا بالصور السحريّة التي صوّرها البريطاني نِك هولر، والنصوص الأخرى التي كتبها ولفرِيد ثيسيغر، كافن يونغ، ماكسويل، وحتى ما كتبه الكتّاب المحليون عن هذا، لكن ما يحدث الآن هناك، هو النقيض تماماً، فالمياه تشحّ بطريقة مبالغة بها، وأغلب السكّان هؤلاء يفكّرون بالانتقال إلى المدن، فالهور شحيح، ماءً وخيراً، ولم يعد هناك صبر، المدن بمركزيتها السياسيّة تهملهم، ثمّ تلفظهم حين يجيئون نازحين ومهاجرين، لأنهم "معدان" و"أقلّ مرتبة حضارية"، و"يستبّبون بتغيير ديموغرافي"، وغير ذلك من سقط الكلام والمعنى.

شارك أبو حيدر لعقدٍ مع المعارضة الشيعية في الأهوار، المُخيفة، التي أنشب بها صدّام أنيابه، وجفّفها، وأحرق قصبها وغطاءها الأخضر الذي لم يُمس لخمسة آلاف عام، وهو الآن يتحدثُ لضيوفه في طرّادته، ثم يسلّم على "الصفّاطة"، الذين يبيعون السمك خارج الجبايش، ثم يلعن مَن يصطاده كهربائيّاً، لكن أبا حيدر حزين، وانقلبت الجولةُ إلى سؤال وجواب، لا السؤالُ يُفرِحُ ولا الجواب.

رمى غترته دون نظام على رأسه، وسرنا بين القصب العالي والبرديّ، قال: لا فرق فيما يحدث الآن معنا وبين صدّام الذي أنشأ طريقاً مُعبّداً داخل الأهوار للسيّارات العسكرية مُطارداً إيّاناً، "الحلال" مات، والناس لا تكفيها الخبزة، والماء شحيح.

تبدو الأهوار العراقيّة، في ذي قار ولا أتصور أن الوضع في المحافظات الأخرى يختلف، مكاناً عشوائيّاً أكثر منه محميّة طبيعية، تحدث كثيرون عن انقراض عدد كبير من الطيور والأسماك العراقية النادرة، لكن الكارثة الكبرى حين أصرّ عجوزٌ طيّب على النزول لمنزله القصبيّ، وشرب القهوة معه.

تحدّث عن "العين" و"الحسد"، وكيف يُمكن أن يقتل "الحلال"، اصطلاحاً على الجاموس، لكنه استدرك: العين لا تقتل الحلال مثل الماء الشحيح.

"الحيوان مسكين، من ينزل الماي يصعد الملح، يعمى، لا ياكل ولا يشرب لحد ما يموت".

ذلك الجاموس، الكائن الأسطوري العجيب، الضخم، الذي يناغيه أصحابُ المشاحيف بلغتهم الخاصة، ويرد، ويُطعم مُربّيه خير الحليب ويعطيهم خير الوقود والسماد، نزل في الماء إلى رقبته لآلاف السنين، حتى استيقظت اللحظات المرّة: لحظة صدّام حسين وتجفيف الأهوار، ثم إهمال نظام ما بعد ٢٠٠٣، ثم التعطيش الممنهج الذي مارسته تركيا وإيران تجاه الأهوار، التي تمرّ هذه الأيام ذكرى ضمّها للائحة التراث الإنساني، اليونسكو! 

جاموس أعمى وحزين، بطبقة القرار بصوته، يصل ذلك الصوت إلى "دلمون"، إلى لوح كَلكَامش، ليشكو الماء الذي اختفى، وجعل المكان الأسطوري مثل جلد مجدور، لا تستطيع أن تسمّيها "أهواراً"، ولا يابسة.