أحدث الاخبار
المطلع
معتمدة لدى نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1052
مقالات عامة 2021-11-10 23:11 61 0

السياسة الأمريكية في القرن الإفريقي تقاوم الغرق..فمن يلقي إليها طوق النجاة؟

تواجه السياسة الخارجية الأمريكية في القرن الإفريقي صعوبات قاسية بعد حوالي ستة أشهر من تعيين مبعوث خاص للقرن الافريقي، مهمته وضع استراتيجية مدمجة للسياسة الخارجية والأمن القومي، في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً وتعقيداً.

جيفري فيلتمان الذي يقود الدبلوماسية الأمريكية في القرن الافريقي منذ أواخر إبريل 2021 هو واحد من الدبلوماسيين المشهود لهم بالكفاءة على المستوى الدولي، وتشمل شهادة خبرته عمله في عدد من سفارات الولايات المتحدة في المنطقة، وإجادته اللغة العربية، والدور الذي لعبه بوصفه وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسة، وهو المنصب الذي تحرص الولايات المتحدة دائما أن يكون في قبضتها، وبسبب ذلك اصطدمت بالدكتور بطرس غالي، عندما كان أمينا عاما، ووقعت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية وقتها في صراع مرير معه، انتهى بفيتو أمريكي على التجديد له لمدة ثانية، فخرج بعد مدة واحدة فقط على خلاف العرف السائد.

التحديات التي يواجهها فيلتمان أكبر منه، ومواجهتها لا تتعلق بالمهارة الدبلوماسية، بقدر ما تتعلق بالتغيرات في موازين القوى على النطاق الإقليمي، وتشابك وتعقيد تلك التحديات، من مكافحة القرصنة والإرهاب، إلى خلافات الحدود، وصراعات المياه، والصراعات الإثنية والقومية والدينية، وضغوط التنمية، التي تتصاعد بقوة يوما بعد يوم في دول القرن الافريقي. وتقف تلك التحديات كلها في جانب، وفي مقابلها حزمة تحديات أخرى، تتعلق بالتزاحم على اكتساب النفوذ في القرن الافريقي الكبير بواسطة روسيا والصين وتركيا وفرنسا وإسرائيل ومصر. وتمتد هذه التحديات من ليبيا على البحر المتوسط إلى جيبوتي والصومال وإريتريا على البحر الأحمر، مروراً بتشاد والسودان وجنوب السودان وإثيوبيا.

الدور الأمريكي بعد الصومال
تأسست القيادة العسكرية الأمريكية لافريقيا في أول أكتوبر عام 2007، وبدأت العمل في العام التالي. وعلى الرغم من خطورة الدور المفترض أن تقوم به في مكافحة عمليات القرصنة وانتشار الإرهاب، وتأمين الملاحة، والمحافظة على المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في القرن الافريقي وافريقيا بشكل عام، فإن الدور الفعلي الذي تقوم به يقتصر على عمليات محدودة منتقاة، وزيارات بروتوكولية يقوم بها قائدها إلى دول القارة.


ويوجد للقيادة الافريقية، التي تتخذ من القاعدة العسكرية الأمريكية في شتوتغارت (ألمانيا) مقرا لها، عدد من المعسكرات الدائمة في جيبوتي وأوغندا وكينيا، وتتركز معظم عملياتها في استهداف مجموعات أو شخصيات من قيادات الجماعات الإرهابية في الصومال.

وقد فشلت القيادة العسكرية لافريقيا في القيام بدور فعال، ضد أنشطة الجماعات الإرهابية في أماكن أخرى من القارة مثل دول الساحل، وهو ما شجع فرنسا على توسيع دورها هناك، كما فتح الباب لمجموعات من المرتزقة أو المنظمات العسكرية غير الحكومية، لأن تلعب دورا في بلدان مثل تشاد ومالي وليبيا. 

وما تزال السياسة الأمريكية تجاه القرن الافريقي تعاني حتى الآن من الآثار السيكولوجية لمذبحة مقديشو في أكتوبر 1993 التي راح ضحيتها 18 جنديا أمريكيا، تم اسقاط طائرتهم وقتلهم وجر جثثهم في الشوارع، بواسطة قوات محمد فارح عيديد، وهي المذبحة التي انتهت بسحب حوالي 30 ألف جندي أمريكي من الصومال.

سياسة بدون قدمين… كيف تمشي؟
من الصومال إلى تيغراي إلى جنوب السودان والسودان وليبيا، يوجد تزاحم كبير للاستحواذ على النفوذ من جانب قوى صاعدة من داخل الإقليم، أهمها مصر وتركيا وإسرائيل، ومن خارج الإقليم، روسيا وفرنسا والصين.

وسط هذا التزاحم تبدو السياسة الأمريكية وقد فقدت الاتجاه، وعجزت عن استخدام أدوات ممارسة القوة التي كانت تتوفر لها ، ويبرهن الموقف في السودان وإثيوبيا على أن الولايات المتحدة أدركت انها لن تستطيع أن تمارس دورا في هذه المنطقة بدون «الاستعانة بصديق»! لذلك صدر في شأن السودان ما أطلقت عليه الخارجية الأمريكية «البيان الرباعي» وهو البيان الذي وقعت عليه بريطانيا من باب المجاملة، ووقعت عليه الإمارات والسعودية أيضا. ولما لم يكن البيان كافيا فإن الولايات المتحدة لجأت إلى طلب المساعدة من إسرائيل، التي تمسك بعدد من أوراق اللعبة هناك. فهل كانت إسرائيل ستقدم مساعدة للولايات المتحدة مجانا؟ وفي شأن إثيوبيا، فشلت الولايات المتحدة في وقف الحرب بين الحكومة وقوات إقليم تيغراي، على الرغم من استعانتها بجهود الأمم المتحدة والاتحاد الافريقي، فاكتفت في النهاية بدعوة مواطنيها إلى مغادرة إثيوبيا والنجاة بأرواحهم. وفي هذا الصراع التزمت إسرائيل الصمت رغم ما لها من أوراق هناك، انتظارا للحظة المناسبة. ويعود فشل واشنطن في الحالتين، السودان وإثيوبيا، إلى غياب استراتيجية أمريكية تتوفر لها مقومات الاستمرار وأدوات القوة.

لكن غياب هذه الاستراتيجية لا يكفي وحده لتفسير العجز الأمريكي، ولذلك فإن السبب الثاني يتمثل في أن دول منطقة القرن الافريقي تجد أمامها الآن خيارات أخرى تستطيع الاستعانة بها، سواء في مكافحة الإرهاب، أو في تحقيق التنمية، منها روسيا والصين وفرنسا وتركيا ومصر وإسرائيل.


ومع عدم وجود قوة مهيمنة في القرن الافريقي، من داخل الإقليم أو من خارجه، وعدم وجود نظام يقوم على أساس «توازن القوى» فإن حسم الصراعات الراهنة، سواء كانت داخل الدول أو في مواجهة بعضها بعضا، سيتوقف على ميزان القوى بين الأطراف الداخلية المتصارعة على الأرض وطبيعة المساندة غير المباشرة التي تحصل عليها تلك الأطراف من الخارج. 

لكن من المستبعد أن تتدخل قوة خارجية أو إقليمية بشكل مباشر لنصرة طرف على آخر، سواء لإنهاء الحرب الأهلية في إثيوبيا، أو لنقل السلطة من العسكريين إلى المدنيين في السودان.

القرن الافريقي والمستقبل
تواجه دول القرن الافريقي الكبير أربعة تحديات كبيرة، هي أولا تسوية نزاعات الحدود، وثانيا توفير احتياجات مكافحة الإرهاب، وثالثا وقف تدهور البيئة، ورابعا تحقيق التنمية، خصوصا في مواجهة زيادة الكوارث البيئية، وتسرع معدل النمو السكاني. وهذا يعني ضرورة وجود استراتيجيات قومية وإقليمية ودولية ملائمة.

ولا تبدو الولايات المتحدة التي جعلت مواجهة الصين وروسيا العنوان الرئيسي لاستراتيجيتها العالمية، في وضع يؤهلها لمساعدة دول القرن الافريقي بما يكفي لتوفير احتياجات مواجهة هذه التحديات. وفي سياق التزاحم على كسب النفوذ في القرن الافريقي وأفريقيا بشكل عام تحاول فرنسا وإسرائيل ومصر وروسيا وتركيا والصين إقامة جسور قوية للتواصل والتأثير الإقليمي. وتشهد الدبلوماسية المصرية تجاه افريقيا صحوة مهمة في الوقت الحاضر، خصوصا في مناطق دول حوض النيل والساحل الافريقي، حيث توجد لها مصالح استراتيجية مهمة، تترابط مع التحديات التي تواجهها الدول الأفريقية في مجالات مكافحة الإرهاب وتنمية البيئة وتحقيق التنمية.

ويعتبر تعاون مصر مع تنزانيا والسودان وجنوب السودان في تنمية مياه النيل، ودور تركيا في ميادين التعاون الاقتصادي والتجارة المتبادلة، والدور الإسرائيلي المتعدد الأبعاد في افريقيا عسكريا وتنمويا، ثم دور الصين المتعاظم في ميادين البنية الأساسية والاستثمارات المباشرة والتجارة، من أهم الخيارات المتاحة لدول القرن الافريقي في ظل غياب أو تراجع الدور الأمريكي.


وعلى الرغم من إعادة ترتيب هيكل القوة العسكرية للولايات المتحدة في شرق البحر المتوسط والخليج والقرن القرن الافريقي وشمال المحيط الهندي منذ بداية العام الحالي، الذي بمقتضاه أصبحت إسرائيل تلعب دورا مركزيا في القيادة العسكرية الأمريكية، لم تتوقف محاولات قضم النفوذ الأمريكي المتآكل من جانب قوى أخرى صاعدة، بما أدى إلى خسارة نفوذها كقوة مهيمنة، مع أنها ما تزال أهم قوة عسكرية في القرن الافريقي. 

في الوقت نفسه فإن القوى الجديدة الصاعدة عسكريا في المنطقة مثل إيران وتركيا تعمل على بناء وتثبيت مراكز جيوستراتيجية تعبر عن قوتها. ولذلك فإن إسرائيل ستظل في حاجة إلى بقاء الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، لضمان ميل كفة التوازن الاستراتيجي لمصلحتها. وفي الوقت نفسه فإن إسرائيل تعمل على مواجهة النفوذ الصيني في افريقيا بإقامة تعاون ثلاثي مشترك مع الهند في بلدان القارة، و تتعاون أيضا مع الإمارات التي لها مصالح اقتصادية وأمنية في القرن الافريقي.

كما تحاول إسرائيل من خلال مقايضات مع كل من روسيا والصين، في شرق المتوسط والبحر الأحمر والخليج والقرن الافريقي وشمال المحيط الهندي أن تحصل على مكانة جيوستراتيجية متميزة في المنطقة، وملء الفراغ الناتج عن تراجع القوة الأمريكية، بدون صدام مع القوى العسكرية الرئيسية المنافسة.

إن التحول الكبير في موازين القوى في القرن الافريقي يعكس في واقع الأمر التغيرات الجيوستراتيجية الكبيرة التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط بأكملها، نظرا لترابط التفاعلات السياسية بين مكوناتها، فالقرن الافريقي هنا هو جزء من كل.

المصدر: القدس العربي