أحدث الاخبار
المطلع
معتمدة لدى نقابة الصحفيين العراقيين بالرقم 1953
مقالات عامة 2022-06-07 14:06 634 0

آية القيسي تكتب: العاشقة البصرية التي أفنت حياتها في الحب!.. مغبون من يجهلها

من جنوب القلب، من البصرة تحديدا افنت سيدة بصرية حياتها في تأسيس مذهب يعنى بالحب الالهي، لتمضي هذه القديسة في درب لم تالفه نساء جيلها، ولتضرب مثال للمراة الزاهدة والعارفة.. وفي شعرها رسائل يغبطها المتصوفون والباحثون عن الجمال والحب.. 

عندما نسمع بمفردة العشق الإلهي او الحب الإلهي تأتي بمعنىٰ التصوف واول ما يراود اذهاننا أن وجود مؤسسي هذا المذهب او من يمثلوه هم في تركيا او الدولة العثمانية، لكن هل يعلم البعض منا أن أحد مؤسسي العشق الإلهي هي سيدة بصرية النشأة! 

اليوم انا بصدد الحديث عن احد ممؤسسي "العشق الإلهي" بمحافظة البصرة وهي رابعة العدوية او رابعة بنت إسماعيل و تُكنىٰ "بأم الخير" كما ذكر ابن خانكان صاحب كتاب وفيات الأعيان.

و لدت رابعة في البصرة عام (١٠٠هـ /٧١٧م)، من أب فقير وهي الأبنة الرابعة لهُ و يعود سبب تسميتها برابعة كونها هي البنت "الرابعة" وهي ايضاً من عشيرة القيسيون.

توفي والدها وهي بعمر العاشرة و ترك لها اخواتها الثلاث، مما جعلها تتحمل مسؤولية العيش والفقر والحصول علىٰ لقمة العيش لها و لأخواتها، وعلى أثر لقاء لها بالصوفي البصري ارياح بن عمرو القيسي  تغيرت حياة رابعة واتجهت نحو أبواب الزهد و التصوف،وهنا بدأت رابعة بطرح حياة اللهو والغفلة متجهة الىٰ ربها بكل ما لديها من حب و صدق تجاهه.

 

وهنا من الضروري أن نعرف ما هو العشق الإلهي؟. العشق الإلهي يعني عبادة الله من أجل محبتهِ و ليس خوفاً من النار او طمعاً في الجنة، ونشأ الحب الإلهي في القرن الثاني الهجري، حيث كان الناس قبل ذلك يعبدون الله خوفاً و رهبةً، و يميل مؤرخو التصوف الإسلامي أن رابعة هي أول من اخرجت التصوف من الخضوع الىٰ عامل الحب، و انها اول من استخدمت لفظ "الحب" استخداماً صريحاً في مناجاتها الىٰ الله وفي اقوالها وأشعارها ايضاً.

و من المهم ذكره ايضاً أن رابعة تمتعت بموهبة الشعر و تغلغلت هذه الموهبة الحب الصادق و المتوهج، حيث كتبت أجمل الاشعار و الكلمات تعبيراً منها عن حب الخالق ورسالة لمن حولها ايضاً، علىٰ سبيل المثال لها قصيدة بعنوان "عَرفتُ الهوىٰ"

تقول بها :

عـرفت الهـوى مذ عرفت هـواك

واغـلـقـت قلـبـي عـمـن سـواك

وكــنت أناجيـــك يـــا من تــرى

خـفـايـا الـقـلـوب ولسـنـا نـراك

أحبـــك حـبـيــن حـب الهـــــوى

وحــبــــا لأنـــك أهـــل لـــذاك

فــأما الــذي هــو حب الهــــوى

 

فشـغلـي بـذكـرك عـمـن سـواك

وأمـــا الـــذي أنــت أهــل لــــه

فكـشـفـك للـحـجـب حـتـى أراك

هذا جزء من القصيدة، و جزء من عظمة شعر هذه السيدة المولعة بحب الخالق، ولها الكثير من القصائد تعبيراً منها عن حب من تعبد ليلاً ونهاراً، والى اليوم قصائدها يتغنىٰ بها عامة الناس قبل المتصوفون، و تعتبراً ألهاماً كبيراً لهم. رابعة لم تكن محط في اهتمام المتصوفين فقط بكل كانت موضوع لدراسة نشرتها المستشرقة الألمانية "آنا ماري شيمل" في كتابها الصادر بعنوان "روحي انثىٰ" فتناولت مفهوم الأنوثة في الاسلام وركزت علىٰ حضور النساء في عالم التصوف، وقالت : "أن رابعة هي المرأة الاولىٰ التي تدخل فكرة الحب الألهي الطاهر في الفكر الصوفي".

وتقول شيميل  "ان رابعة كانت فاتحة مرحلة إبداعية جديدة في الحياة الصوفية فقد صارت شيخة مدرسة التصوف في العراق في زمنها ، ومن بين كثير من اتباعها من الصوفية الذين كانوا يعيشون في بغداد وما حولها من المدن العراقية".

تختلف الرويات حول تاريخ وفاة العدوية البعض يقول انها توفيت عام ١٨٠ هـ و رواية أخرىٰ تقول عام ١٨٥هـ ، كما دفنت رابعة حيث ما نشأت في البصرة بمقبرة الحسن البصري، حيث تضم مقبرة البصري، رفات كثير من الشخصيات الدينية والثقافية والسياسية البارزة، من بينها رابعة العدوية، والشاعر الكبير بدر شاكر السياب ايضاً، والعديد من الشخصيات و الاسماء البارزة.

ربما النخبة و المثقفون يعلمون عن رابعة، من يعرف أننا بلد له مساهمة كبيرة و فذة بعالم التصوف او العشق الإلهي، بل و نملك شخصية مؤسسة له وهي رابعة، و الاهم من ذلك ان رفاتها موجودة علىٰ ارضنا، ماذا لو يعاد هذا المجد و التاريخ ، و نسمع عن تأسيس مسجد لرابعة و يكون قبلة للمهتمين و السائحين ايضاً ؟

و اخيراً لا يسعني الا ان أقول أننا بلد ملهم للكثير و كأن ارضنا عين تفيض بالأبداع سابقاً و الىٰ اليوم .

و ختاماً كان لرابعة رسالة لكل انسان وهي:

"أن نحب من أحبنا اولاً وهو الله"