أحدث الاخبار
مقالات عامة 2021-02-14 21:02 73 0

البنك الدولي يحذّر من تدهور اقتصاد العراق

وسط مستنقع الأزمات المزمنة في العراق، دخل المجتمع الدولي على خط محاولة إسعاف الاقتصاد العراقي المحتضر وإيقاف تدهوره المستمر، بالتزامن مع تصاعد صراع أحزاب السلطة لمواصلة الاستحواذ على ثروات البلد، لتحقيق مصالح خاصة بها بعيدا عن مصلحة الشعب.

وجاء تحرك البنك الدولي تجاه العراق في أعقاب تدهور الأوضاع الاقتصادية والمالية لحكومة مصطفى الكاظمي وتخبط إجراءاتها لمواجهة أسوأ أزمة مالية تمر على البلد منذ عشرات السنين، بحيث عجزت الحكومة عن توفير رواتب الموظفين إلا بقروض داخلية وخارجية، وتخفيض كبير في قيمة العملة الوطنية مقابل الدولار، وغيرها من الإجراءات المالية الترقيعية التي ابتعدت عن جوهر أسباب الأزمة.
فقد حذر البنك الدولي من «ان الظروف التي يمر بها العراق اليوم هي الأسوأ منذ 2003 الأمر الذي ترك أعباء كبيرة انعكست على قدرة الحكومة العراقية في التعامل مع الاحتياجات الطارئة». وصرح ممثل البنك الدولي في العراق رمزي نعمان إن «البنك يعمل مع الحكومة العراقية لمواجهة الأزمات المستجدة والمتراكمة التي تضاف إلى المشاكل القائمة وما ترتب عن ذلك من انخفاض أسعار النفط وجائحة كورونا وتبعاتها التي شكلت عبئا كبيراً على العراق».
وبادرت منظمات اقتصادية دولية، بطرح بعض الأفكار لإيقاف تردي أوضاع العائلة العراقية، حيث أعلن برنامج الغذاء العالمي والبنك الدولي، إعداد برنامج مشترك في العراق لإجراء بحوث اجتماعية واقتصادية ورصد أسباب انعدام الأمن الغذائي وتأثيرات جائحة كورونا على المجتمع.
وقالت المنظمتان في بيان مشترك «أن هذا التعاون سيوفر معلومات أفضل لبرامج الحماية الاجتماعية ويحسن الاستجابة لعمليات الإغاثة العاجلة، ورصد التأثيرات على العائلات العراقية، ومن بينهم أسر النازحين التي تعيش في المخيمات والعائدين إلى ديارهم وكذلك المجتمعات المضيفة، إضافة إلى جمع المعلومات الحيوية بانتظام عن سوق العمل، والوصول إلى الخدمات الصحية وتعليم الأطفال، أثناء جائحة كورونا».
وذكر البيان انه «مع استمرار الضغوط الاقتصادية وما نتج عن ذلك من انخفاض في قيمة العملة العراقية، ارتفعت أسعار بعض المواد الغذائية الأساسية، وتأثرت الأسر تأثرا كبيرا» وبين أن البيانات ونتائج البرنامج المتوفرة، ستخدم بعض المنظمات الدولية العاملة في العراق مثل برنامج الأغذية العالمي والبنك الدولي بالشراكة مع منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «الفاو» والصندوق الدولي للتنمية الزراعية «إيفاد».
وقال ممثل برنامج الأغذية العالمي في العراق عبدالرحمن ميجاج، إن «هذه الشراكة البحثية المهمة تدعم توفير المعلومات الأساسية لمساعدة الجهات الفاعلة الرئيسية في العراق على التخطيط واتخاذ القرارات على أساس مستنير» مبينا أن «معرفة المزيد يعني القدرة على فعل المزيد وتنفيذه بشكل صحيح. ويمكن أن يساعد عملنا مع الأسر المحتاجة والضعيفة بأكثر الطرق فعالية».
ويقول رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي إن «دور الدولة ينبغي أن يتجه نحو تأسيس البنى التحتية البشرية والمادية للتنمية، وإفساح المجال للقطاع الخاص، لتحمل دوره في تسريع عجلة الاقتصاد وتوفير فرص العمل». وفي اقراره بالفساد المستشري في مؤسسات الحكومة يقول «أننا لن نصل إلى التنمية الحقيقية من دون مكافحة منهجية للفساد، الذي أخذ يؤسس لنهج استئثار يعتمد على النفوذ والخروج عن القانون، وينتج حالة جديدة مقلقة من التفاوت الطبقي» مضيفا أن «الحكومة ستستمر في اتخاذ القرارات الصعبة، رغم التداعيات السياسية، ورغم ما قد يحدث من سوء فهم شعبي» في اعتراف بموجة الانتقادات الشعبية والسياسية لإجراءات الحكومة الأخيرة التي زادت أعباء المعيشة.

مؤشرات

وبالنسبة للمراقبين، لم يكن مستغربا التحرك الدولي للتدخل في الأزمة الاقتصادية الخانقة لانقاذ البلد من تداعيات كارثية متوقعة ولوقف تآكل البنية التحتية للاقتصاد جراء السياسات الفاشلة والفاسدة لحكومات بغداد، والتي تبرز في مجالات عديدة.
ففي ملف تفشي الفساد ونهب ثروات البلد، قال مستشار رئيس الجمهورية والوزير السابق شيروان الوائلي إن «هناك 10 آلاف قضية فساد جاهزة للتحقيق بين النزاهة والقضاء، لكن هناك مصدات تمنع تفعيلها، وحدث اتفاق على اختيار 100 ملف أساسي وكبير وواضح، لكن هذا لم يحصل أيضاً، ولن يحصل، لأن هناك خوفا. فالقضاة عزّل ورئيس الوزراء والنزاهة وديوان الرقابة هم موظفو دولة عزل يعملون ضمن القانون، إلا أنهم يواجهون بالتهديدات. فالمتهمون يملكون أجنحة سياسية تحميهم، وأجنحة إعلامية، وهناك أيضاً أجنحة مسلحة» مشيرا إلى قائمة طويلة من الضحايا الذين استشهدوا من القضاة والمفتشين والمدراء الشرفاء، وهم يواجهون هذا التحدي.
ويتحدث المراقبون عن أشكال أخرى لمعالم انهيار الاقتصاد العراقي، منها ان عائدات ورسوم المنافذ الحدودية التي تصل إلى مليارات الدولارات سنويا، لا تحصل منها حكومة بغداد سوى على 10 في المئة فقط في حين يذهب الباقي إلى أحزاب السلطة التي تتقاسم تلك الموارد الضخمة لصالحها.
وفيما كشف النائب محمد الدراجي، أن «مجموع ما تم بيعه من الدولار في (مزاد العملة الصعبة) لدى البنك المركزي خلال تسعة أشهر من عام 2020 يبلغ 27 مليار دولار» مؤكدا «وجود جهات سياسية لديها مصالح في مزاد العملة ولا تريد إلغاءه» فإن القيادي الشيعي والوزير السابق باقر صولاغ ، ذكر ان «جولات التراخيص النفطية الممنوحة لشركات النفط الأجنبية، التي وقعت بعهد حكومة نوري المالكي، دمرت العراق، وعندما كان البلد يبيع بـ 22 مليار دولار نفط كان 12 مليارا منها يذهب للشركات النفطية الأجنبية». ويذكر ان بعض الدول أعلنت القبض على متورطين في صفقات رشا لمسؤولين عراقيين مقابل منح جولات تراخيص للشركات النفطية التي تقدم خدمات بسيطة للقطاع النفطي العراقي.
ومن ناحية أخرى كشف الخبير الاقتصادي حمزة الجواهري، عن وجود جهات تعمل على تعطيل استخراج الغاز في العراق، لكي يستمر في استيراده من إيران. ويعد العراق في مقدمة دول العالم التي تهدر الغاز المصاحب لاستخراج النفط منذ سنوات، رغم ان العديد من الشركات الأجنبية أبدت استعدادها لاستثماره بتكاليف بسيطة وخلال فترة زمنية قليلة، إلا ان ضغوط قوى سياسية متنفذة مرتبطة بمصالح دول إقليمية تمنع ذلك لكي يستمر العراق في استيراد الغاز من إيران.
وفي مجال غسيل الأموال أكد سفير الاتحاد الأوروبي في العراق مارتن هوث، انه «رغم جهود العراق في مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، إلا أنه ما زال ضمن القائمة الأوروبية للبلدان شديدة الخطورة في هذا المجال» حيث يعتبر العراق ساحة دولية لعمليات غسيل الأموال بوجود مافيات فساد وميليشيات مسلحة وقوى إرهابية وفوضى أمنية وإدارية.
وسلط تقرير لمعهد «بروكينغز» للأبحاث، مؤخرا، الضوء على «مخاطر التضخم الذي شهدته ميزانية العراق المقترحة للعام 2021 وخاصة ما يتعلق منها بزيادة كبيرة في تخصيصات الأجهزة الأمنية التقليدية أو الحشد الشعبي وذلك رغم انخفاض أسعار النفط ، بما يعزز من القوة الاقتصادية والسياسية للجماعات شبه العسكرية والكيانات السياسية المرتبطة بها، في وقت تمر به البلاد بأزمة اقتصادية خانقة».

ميزانية تتنازعها الأحزاب

وفي صورة لأبعاد الأزمة المالية العراقية، وهيمنة أحزاب السلطة ومافيات الفساد، على الاقتصاد العراقي، ما زال مشروع ميزانية 2021 الذي قدمته الحكومة إلى البرلمان للمصادقة عليه منذ أشهر، يخضع لمساومات وتعديلات من القوى السياسية. فقد أصبح النقاش حول الميزانية التي بلغ العجز فيها نحو 45 مليار دولار، مجالا واسعا للمزايدات والضغوط والمساومات بين القوى السياسية المتنفذة في البرلمان، وبين المحافظات والوزارات، بحيث ان الكاظمي دعا، إلى «ضرورة عدم إقحام المناكفات السياسية في ملف قوت المواطن ومستوى الخدمات المقدمة إليه».
وتعكس تلك المناقشات معركة شرسة بين القوى الشعبية والاقتصادية الداعية لتعديل بنود الميزانية لتخفيف الأعباء عن المواطنين وتقليل نفقات الحكومة والحد من القروض وانهاء هيمنة الأحزاب على موارد الدولة، وبين قوى متنفذة في البرلمان تعمل لإعادة ترتيب بنود الميزانية بما يحقق لها منافع خاصة تتعارض مع مصلحة البلد وشعبه الذي تطحنه أزمات لا حصر لها.
وكان وزير المالية العراقي علي علاوي أعلن ان العراق يجري مفاوضات مع البنك الدولي للحصول على قروض دولية جديدة بنحو 6 مليار دولار لتقليل العجز في ميزانية 2021 إضافة إلى القروض التي حصـــلت الحكومة عليها عام 2020 علما بأن حجم الدين العراقي الداخلي والخارجي يبلغ حاليا 134.4 مليار دولار، وفوائده السنوية تصل إلى نحو 5 مليار دولار.
ويتفق المحللون والمطلعون على أوضاع العراق، ان كل المحاولات التي تبادر بها المنظمات المالية الدولية وبعض الدول لايجاد معالجات وحلول إسعافية لأزمة العراق المالية، ولتحقيق فوائد لها أيضا، لن توقف انهيار الاقتصاد المتواصل، لأنها تتجاهل الحل الصحيح وتركز على حلول ترقيعية، حيث فضلت حكومة بغداد، اللجوء إلى حلول تلحق الضرر بالمواطن ومستوى معيشته في الحاضر وتثقل اقتصاد البلد بديون واعباء مالية ثقيلة في المستقبل، على ان تلجأ إلى حلول متاحة ومجدية، ولكنها تمس مصالح أحزاب السلطة ومافيات الفساد وأطماع إقليمية.

المصدر: القدس العربي